تقرير أشغال ورشة التفكير الموسومة بـ: “تقدير الأمن والادراك السياسي”

تقرير أشغال ورشة التفكير الموسومة بـ:

“تقدير الأمن والادراك السياسي”

            بتاريخ العشرين من جانفي 2021  بمقر المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية نظم مخبر البحث في السياسات العامة والتحديات التنموية والأمنية في بلدان المغرب العربي ورشة تفكير حول موضوع “تقدير الأمن والادراك السياسي” قدمها كل من: الدكتور ياسين بولالوة والدكتور علي لراري، والدكتور أسامة سليخ.

    لا تزال المعضلة الأمنية تحتل الصدارة في مجال الدراسات الأمنية والاستراتيجية، فكل الأطراف الفاعلة في المنظومة السياسية تبحث، على المستويين النظري والعملي، عن الطريقة المثلى لضمان الأمن والاستقرار في ظل ما تشهده دول العالم من انتشار العديد من الظواهر الأمنية التي خرجت عن نطاق سيطرة الدول.

   لقد تطور مفهوم الأمن من إطاره الفردي إلى الجماعي بوصفه نتيجة مباشرة لتطور النظم الاجتماعية، ليصبح أكثر شمولية في معالجة مفهوم الحماية باعتباره التزام يقع على عاتق السلطة الحاكمة ومحور سياستها، ليشمل جميع نشاطات المجتمع ومؤسساته ليصنع علاقة جدلية بين السلطة والمواطن، بعد أن تحول تحقيق أمن الدولة واستقرارها إلى أهم دور تضطلع به الأنظمة السياسية.

    ظهرت المقاربات النظرية التي تنطلق منها الدراسات المتصلة بالأمن السياسي للدولة في حقل العلوم السياسية، وقد كانت في بدايتها تحصر التهديد في الطابع العسكري وتميل إلى اعتبار الأطراف الخارجية، من دول وتنظيمات معارضة موجودة خارج البلاد، أكبر تهديد للأمن القومي، لكن الدراسات الحديثة وسعت من مروحة التهديدات وأصبحت تركز على مصادر التهديد الداخلية النابعة من سياستها وأفرادها.

   ذهب الكثير من الدارسين إلى اعتبار التحولات العميقة التي انجرت عن العولمة الاقتصادية والسياسية والإعلامية، قد هزت أركان الدولة الوطنية وأفقدتها التوازن في أدائها، وهو ما ذهب إليه كينشي أوماي Kenechi Ohmae في كتابه “نهاية الدولة الوطنية”، حيث قال بــ “أن المحددات الخارجية للقرار السياسي تفوق بشكل مطرد المحددات الداخلية”، وهو ما حول الدولة بشكل تدريجي من متغير مستقل إلى متغير تابع في المعادلة الأمنية.

  ويمكن أن يكون ضعف الدولة سببا في تهديد استقرارها وأمن أفرادها، والضعف هنا يكون سياسيا ويمس بشرعية النظام السياسي ومؤسساته، أو اقتصاديا كالعجز في تسيير الاقتصاد وتحقيق التنمية، فتصبح الدولة نفسها المهدد الرئيس لأمنها الاجتماعي، فتدخل في دوامة من الفعل ورد الفعل، خاصة مع صعود النزعات الاثنية والولاءات المحلية مما قد يؤدي إلى نزاعات داخلية تهدد التعايش المشترك.

          سنحاول من خلال هذه الورشة التركيز على أهمية التقدير السليم للمواقف المرتبطة بالاستقرار الداخلي، وارتباط ذلك بمفهوم الادراك السياسي وطريقة تنظيم آليات التقدير السياسي ومؤسساته.

أولا: مقاربة نظرية لمفهوم الأمن القومي:

يعد مفهوم الأمن القومي من المفاهيم القديمة، إذ صاحب نشوء الدولة وتطورها حتى وإن لم تظهر كتابات خاصة في هذا المجال إلا في العقود الماضية، حيث بدأ الاهتمام أكثر بهذا المفهوم في مختلف أبعاده (سياسي، قانوني، اجتماعي، نفسى…إلخ)، ومتوافقة مع ظروف عالمية سياسية وعسكرية جديدة أعقبت الحرب العالمية الثانية والتوازنات والتكتلات والمحاور التي نتجت عن الحرب بين القوى الدولية، بالإضافة إلى الانتشار الكثيف للأسلحة والتطور النوعي الذي شهدته هذه الأخيرة، والذي أدى إلى تعديلات في النظام الدفاعي العالمي وثوابته التقليدية الموروثة.

سنحاول تقديم مفهوم للأمن القومي بالحديث عن مكوناته ودلالاتها أولا، ثم الحديث عن مقوماته وتعريفه العام متصلا بحدود سيادة الدولة الحديثة، ثم نقدم أهم المقاربات النظرية التي اهتمت بهذا المفهوم.

  1. مفهوم الأمن القومي:

تمثل كلمتا (الأمن) و(القومية أو الأمة) المكونات اللفظية للمفهوم وعند تحليلهما نجد أنه بالنسبة لكلمة الأمن فثمة معنيان، الأول: يعنى حالة الإحساس بالثقة والطمأنينة التي تدعو إلى أن هناك ملاذاً من الخطر، والمعنى الثاني: يتمثل في الموقف المترتب على الحاجة إلى الأمن ويرتبط بخاصية (العدوانية) لدى الإنسان البدائي، والتي تبدأ بالرغبة في (امتلاك الذات).

 أما مفهوم القومي فيرتبط بوجود جماعة من البشر أقاموا بمكان وأصبحت لديهم صلة روحية به، فعندما يوجد قوم من الناس في أرض واحدة ويمارس أفراده الحياة بثقافة واحدة توجد بينهم علاقات أخرى قوية تدور حول المصلحة المشتركة والتضامن والنسب، وعلاقات اجتماعية تجعلهم كيانا واحدا. وتلك الروابط هي التي توجد ما يسمى بالقومية.

   وفكرة القومية قديمة قدم الاجتماع البشري. وقد عبّر عنها ابن خلدون بفكرة العصبية. وعناصر القومية لدى أغلب مفكري القومية الأوربيين والعرب هي الأرض المشتركة، والتاريخ، والثقافة المشتركة، والمصالح المشتركة، أما قضية تأسيس القومية أو بالأحرى بناء الدولة القومية فهي القضية محل الاختلاف، فهناك رأيان حول علاقة القومية بالدولة، الأول يرى أن الدولة تجسيد لمعنى القومية. والرأي الثاني يفصل بين القومية والدولة القومية. ويرجع ذلك الخلاف إلى أن القومية كيان اجتماعي تتوافر فيه المقومات الأساسية السابقة.

وغالبا ما يتجه ذلك الكيان إلى إنشاء نظام سياسي يصبح وعاء له، إلا أن ذلك لم يحدث دائماً بالضرورة في كل القوميات، فهناك قومية مجزأة، أو مستوعبة بجانب أخرى في دولة واحدة، وهناك قومية بلا دولة. فالقومية تنتمي إلى طائفة من الظواهر التي تتعلق بعملية تحديد هوية أو انتماء جماعات من الناس. وتتمايز عملية تكوين الهوية أو الانتماء إلى مستويين: ذاتي وموضوعي. ويشير المستوى الذاتي إلى اللغة والتاريخ والمصالح المشتركة. ويشير المستوى الموضوعي إلى الإقليم السياسي ونظام الدولة، وعندئذ تنشأ الدولة القومية، تعبيراً عن كيان اجتماعي تجسد في وعاء سياسي هو الدولة.

لم يتفق الباحثون على مفهوم الأمن القومي بسبب صعوبة اعطائه تعريفا محددا لما تعنيه الكلمة من مدلولات يفتقر الى تحديدها او تقديرها بشكل قاطع، فليس هناك إجماع حول المقصود بظاهرة الأمن القومي، وهو ما عكسته التطورات التي عرفها هذا المفهوم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بظهور مدارس ومفاهيم أمنية جديدة جعلت من حقل الدراسات الأمنية أكثر رحابة.

وتشترك دراسات الأمن القومي اشتراكا مباشرا مع كافة العلوم الإنسانية والطبيعية، باعتبارها الإطار الجامع الذي يستخدم كل هذه العلوم لخدمة المجتمع والدولة، وتتفاوت أهمية تلك العلوم في علاقاتها التكوينية بالأمن القومي، فدراسات الأمن القومي ليست علما منفصلابذاته يدار وفق قواعد وأسس علمية ثابتة، بل هي في الأساس تكوين فكري استراتيجي يستخدم كل العلوم من أجل تحقيق أعلى مستويات الأمن بما يتوافق مع الغايات القومية.

ويمكن أن نشير إلى تعريفات عديدة تتراوح ما بين القيم المجردة أو الاعتبارات الاستراتيجية المحددة أو المفاهيم المجتمعية ذات الطبيعة الشمولية.

يعرف الأمن القومي بأنه قدرة الدولة على تحقيق وتأمين مصالحها الاستراتيجية، ويقـوم على امتلاك الدولة لعناصر القوة الاستراتيجية التي تقوم وتستند على تحقيق الأمن الإنساني، والتي تتيح للدولة امتلاك إرادتها الوطنية، وتوفر السند المطلوب لتحقيق وتأمين المصالح الوطنية الاستراتيجية، بما يشمله ذلك من المحافظة على البيئة وتنمية الموارد الطبيعية وحفظ حقوق ومـصالح الأجيـال القادمـة والإسهام في تحقيق الأمن العالمي .

ويعرفه فريدريك هارتمانFredrich Hartman بأنه “محصلة المصالح القومية الحيوية للدولة”، وهو تعريف مرن لشموله على المصالح الوطنية والحيوية معاً، في محصلة لتفاعلهما لتكون أمن الدولة، ودون تحديد لها إذ هي من المتغيرات الدائمة، وقد تختلف من موقع لآخر، أو من عصر لآخر كذلك. كما أنه لم يشر إلى القوة العسكرية، باعتبار المصلحة الدفاعية أحد المصالح الوطنية الحيوية.

أما دائرة المعارف البريطانية فقد عرفت الأمن باعتبارها “حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية”. من جهته، عرفه هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق بأنه أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء.

ولعل من أبرز ما كتب عن “الأمن” هو ما أوضحه روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وأحد المفكرين الاستراتيجيين البارزين في كتابه “جوهر الأمن”، حيث قال: “إن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة”، واستطرد قائلا: “إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات سواء في الحاضر أو المستقبل”.

وقد ذهب كل من لورنس كروز وجوزيف ناي إلى اعتبار الأمن هو غياب التهديد بالحرمان الشديد من الرفاهية الاقتصادية، وهو تعريف موسع أخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمعات المعاصرة التي أصبحت تبحث عن الرفاه متجاوزة بذلك المفهوم التقليدي المرتبط بالحروب. وهو التعريف الذي قدمه روبرت مكنمارا حيث ربط الأمن بالتنمية، فمن دون التنمية لا يمكن أن يوجد أمن وأن الدول التي لا تنمو في الواقع لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة. إن مفهوم الأمن عند ماكنمارا يشمل أبعاداً كثيرة، فهي تنمية عسكرية واقتصادية واجتماعية، تنمية للموارد والقوى المختلفة، تنمية للدولة والمجتمع، تنمية للعلاقات الخارجية والسياسة الداخلية.

ومن المفاهيم التي وسعت من مفهوم الأمن تعريف هولسن وجون ويلبوك، حيث اعتبرا لأمن هو الأهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها من خلال السياسات والبرامج، والعمل على توسيع نفوذها في الخارج، أو محاولة التأثير على سلوك الدول الأخرى أو تغييره.

ما تعريف الأمير حسن بن طلال ولى عهد الأردن السابق فقد جاء كالآتي: “للأمن الوطني مفهومان، أحدهما ضيق يقتصر على حماية التراب الوطني وكيان الدولة، ومواردها من الأخطار الخارجية، والثاني أوسع، يمتد من الجبهة الداخلية، وحماية هوية المجتمع وقيمه، ويؤمّن المواطن ضد الخوف والفاقة، ويضمن له حدا أدنى من الرفاهية والمشاركة السياسية”.

رغم الاختلافات والخلافات حول مفهوم الأمن القومي، فإنه يمكن أن نستشف من هذه التعاريف جملة من الخصائص الرئيسة للأمن القومي وهي:

  • أنه مفهوم استراتيجي لكونه يعالج مكونات حياة الأمة والدولة المادية والمعنوية على المستويين المتوسط والبعيد؛
  • هو حقيقة نسبية يتأتى من خلال تحديد الغايات القومية للدولة؛
  • هو متغير لقدرته على توجيه الدولة نحو البناء الإيجابي متحدياً ثوابت التاريخ والجغرافيا السيئة؛
  • أنه يصعب وضعه في إطار محدد لعدم وجود إطار عام يحدد مفهومه وغاياته التي عادة ما تستنبط من مشروع قيادة الدولة.

كما توجد ثوابت ومحددات ومتغيرات للأمن القومي على أساسها تصاغ الخطط الاستراتيجية للدولة، إذ إنه لا يمكن لأي مخطط أو صانع قرار في الدولة أن يغفل حقائق الجغرافيا وتراكمات التاريخ والثقافة والدين أثناء رسمه للخطط الاستراتيجية.

في مفهوم الأمن الداخلي:

تعرف موسوعة العلوم الاجتماعية الأمن الوطني الداخلي بأنه “قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية”، يعني تمكن الدولة من حماية مكوناتها وقدراتها الداخلية وسيادتها وصيانة ذاتها، انطلاقا من قدرتها الدفاعية واستعدادها لمواجهة الأخطار الخارجية والداخلية. ويعرفه فرانك تراجر Frank Trager وفرانك سيموني Frank Simonie بأنه “ذلك الجزء من السياسة الحكومية الذي يهدف إلى خلق الشروط الملائمة وطنيا ودوليا وتوسيع القيم الحيوية للدولة في مواجهة أعدائها الحقيقيين”.

          إن الأمن السياسي للدولة، وإلى جانب بعده الدولي القائم على التصدي للتهديدات الخارجية خاصة منها العسكرية، يرتكز على البعد الأيديولوجي المرتبط بقدرة القيادة السياسية على صياغة ووضع استراتيجية وطنية تجعل المواطنين ينخرطون في النسق القيمي للدولة ويلتفون حوله، ولكن بشرط تحقيق الأمن والشعور بالعدالة التي تعزز الانتماء إلى الدولة بصفتها الحامي لحياة الناس وآمالهم في المستقبل.

       ويتأثر الأمن الداخلي للدولة بطبيعة النظام السياسي والمقاربة الأمنية المنتهجة لتحقيق الأمن المجتمعي، فالعلاقة بينهما علاقة فعل ورد فعل، وهو ما يمكن توضيح تمظهراته من خلال العناصر التالية:

  • أمننة تسيير شؤون الدولة والمجتمع: تصبح الدولة الأمنية عاجزة عن تحقيق أمنها، عندما يتغلغل الفساد وشبكات المصالح متحكمين بذلك في مفاصل المؤسسات الحساسة، وهو ما يتسبب في وجود أنظمة غير مستقرة ويزيد من تدخل القوى الأجنبية التي تجد ثغرات أمنية كثيرة للنفاذ.
  • تفكك الأمن الاجتماعي: إن أمن الدولة لا يكفي لضمان أمن المواطنين، فتحسين الأمن الاجتماعي والمعيشي للشعب يعزز من استقرار الدولة وأمنها، فالأمن الاجتماعي يوفر الأساس الصلب للاستقرار الوطني، وهو ما عرفته الدول المستقرة التي طورت من وظائفها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، حيث حصل الانتقال من صيغة الدولة الحارسة إلى الدولة الخادمة إلى دولة الرفاهية.

مقومات الأمن الداخلي   

          يمكن حصر أهم مقومات الأمن الداخلي التي من شأنها تعزيز أمن الدولة في النقاط التالية:

  • الاستثمار في الرأسمال الاجتماعي:

إن أغلب التهديدات التي تهدد الأمن الداخلي مصدرها أفراد المجتمع، لذلك وجب الاستثمار في الفرد وتحويله من “متغير مهدد” إلى “متغير بناء”، من خلال الاستثمار في مبدأ المواطنة وتعزيز علاقة الفرد بوطنه وهو الشعور العام الذي يتحول إلى “رأسمال اجتماعي”.

  • تقوية أبعاد الأمن الاجتماعي:

تعتبر المواطنة الدعامة الأساسية لاستقرار الأمن الداخلي ومصدر قوته، ويتجسد ذلك من خلال الاندماج الوطني بالمشاركة في النظام السياسي الديمقراطي والحفاظ عليه، والالتزام بالواجبات السياسية والقانونية والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية واحترام الرموز والثوابت الوطنية، بعيدا عن العرقية والطائفية التي تهدد التماسك الاجتماعي والوطني. كما يعتبر البعد الاقتصادي أحد أهم المجالات التي من شأنها تحصين الأمن الداخلي، ويتجسد ذلك بالنهوض المجتمعي صوب الفعل الاقتصادي الواعي والمخطط له بعيدا عن الفساد والرشوة والمحسوبية.

  • تقوي رأس المال الرمزي:

يعتبر احترام المعتقد الديني والتاريخ المشترك الحافل بالمآثر والبطولات من أهم البنى التي من الواجب تحصينها، فأي مجتمع من المجتمعات يختزن رأس مال رمزي جامع، وهو ما يؤثث المخيال الجمعي الذي يتم يتوافق عليه بصورة غير واعية، فبعض المجتمعات مثل المجتمع الجزائر تمتلك إحساسا صارما بالشرف، وأهمية الصيت، ومكانة الكرامة، وهذه العناصر هي التي تحرك التاريخ داخل هذا المجتمع، وهذا الذي يدعوه بيار بورديو بالرأسمال الرمزي.

  1. أسباب الاهتمام بالأمن الداخلي:

لقد توسع الاهتمام بالدراسات التي تعنى بالأمن القومي في العقود الأخيرة، حيث أضحت المقاربات المعتمدة مركبة ومتعددة الأبعاد تربط بين علوم الاجتماع والاقتصاد والعلاقات الدولية والعلوم العسكرية ونظم الحكم وغيرها. وقد انتقل الاهتمام بظاهرة الأمن القومي من الغرب إلى دول الجنوب التي، وبفعل تنامي التهديدات العابرة للحدود، أصبحت تتعامل مع أمنها الداخلي باعتماد مقاربات جديدة تأخذ بعين الاعتبار جملة من المعطيات، ولعل أهمها:

  • التوسع في مفهوم المصلحة القومية ليشمل مسألة ضمان الرفاهية بما يعنيه ذلك من تأمين لمصادر الموارد، ومن ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية، ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى، وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية من ناحية ثالثة.
  • ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلى حروب، ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.
  • ازدياد الشعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها القومي. فمن ناحية، تُعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديدا لأمنها السياسي والاقتصادي، وتحد بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الاستراتيجية؛ ومن ناحية أخرى، تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية والمنظمات غير  الحكومية للإضرار بمصالحها وأمنها القومي.
  • تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي والذي يمكن أن يتحول إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى، فلا تزال تلك الدول تعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع.
  • يُثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولاً كالنظام الفيدرالي، أو التجمعات الاقتصادية الدولية.
  • يُثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكك الدول الكبرى وخاصة الفيدرالية إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة.

ثانيا: تقدير الموقف السياسي

إن تقدير الموقف السياسي  مرتبطبإدراك النخب السياسية والأمنية في بلد ما، فطبيعة الإدراك تحدد نوعية المصالح القومية التي ينبغي الدفاع عنها، فالباحثين في علم النفس السياسي الذين اهتموا بنظريات الإدراك كما بلورها علم النفس العام، اهتموا بالتمييز الدقيق بين الإدراك وسوء الإدراك. ففي الحالة الأولى الإدراك يكون مطابقاً لتقدير موضوعي للواقع الداخلي والإقليمي والعالمي، ومن ثم فغالباً ما ينعكس ذلك بصورة إيجابية على عملية صنع القرار. بعبارة أخرى تصبح النخبة السياسية الحاكمة في موقف يسمح لها بالتقدير الدقيق للمصلحة القومية، وبالتالي لا تندفع لاتخاذ قرارات.

غير أن المشكلة تكمن في سوء الإدراك من قبل النخب السياسية الحاكمة، حيث يظهر ذلك في تشوه عملية قراءة الواقع أو في المبالغة في تصور خطر معين يهدد الأمن القومي، أو في التهوين من قدرات الخصوم. وهذه هي حالة الإدراك المرضي الذي ينتاب بعض القادة والمسؤولين.

ولا يمكن فهم مصطلح الإدراك السياسي دون وضعه في السياق المعرفي الذي نشأ فيه، ألا وهو علم النفس السياسي باعتباره مجال أكاديمي متعدد الاختصاصات، يقوم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي. ويعد هذا العلم مجال متعدد الاختصاصات، لأنه يأخذ مادته من مجموعة واسعة من التخصصات الأخرى، بما في ذلك علم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والفلسفة، ووسائل الإعلام والصحافة بالإضافة إلى التاريخ.

وقد عرف مورتون دويتشعلم النفس السياسي بأنه “دراسة تفاعل علم السياسة مع علم النفس، خاصة أثر علم النفس في السياسة”، أي هو بصيغة أخرى “استخدام الأساليب والمفاهيم والنظريات علم النفس في تحليل سلوك الجهات الفاعلة في العملية السياسية، وتفسير المواقف والقرارات السياسية باستخدام مصطلحات علم النفس”.

ويهدف علم النفس السياسي إلى فهم العلاقات المترابطة بين الأفراد و المواقف التي تتأثر بالمعتقدات، والدوافع، والإدراك، ومعالجة المعلومات، واستراتيجيات التعلم، والتنشئة الاجتماعية وتشكيل السلوك، وقد تم تطبيق النظرية النفسية السياسية ومناهجها في العديد من العمليات مثل: الدور القيادي، وتكوين السياسات الداخلية والخارجية، والحركات الجماعية والصراعات، والسلوك العنصري، وسبل ودافع التصويت، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام في التصويت، والنزعة القومية، والتطرف السياسي والسلوك في العنف العرقي الذي يشمل الحروب والإبادة الجماعية. ووفقا لهذا يدرس علماء النفس السياسي أسس وديناميات انتاج السلوك السياسي باستخدام التفسيرات المعرفية والاجتماعية.

ولقد اهتمت الدراسات السياسية بالبيئة النفسية وإدراكات صانع القرار مع المدرسة السلوكية، حيث ظهرت عدة مقاربات تركز على العامل النفسي وأثره بشكل عام في العملية السياسية وصناعة القرار بما فيها إدارة الأزمات الداخلية والدولية. ويمكن القول أن نقطة التحول في هذه الدراسات كانت بدخول المقاربة المعرفية لتحليل العملية السياسية cogntive approach  التي تعطي الأولوية للمعتقدات و الصور المعرفية و الإدراكات التي يحملها صناع القرار حول مختلف القضايا.

وقد عرف علماء النفس السياسي الإدراك باعتباره “وعي الفرد بالقضايا الموضوعية المرتبطة بموقف معين، إذ أن الفرد يتلقى مجموعة ضخمة من المعلومات عن شتى الموضوعات ما يخلق لديه وعيا بتلك الموضوعات،وكلما طرأ حافز خارجي يتعلق بتلك الموضوعات أثير هذا الوعي لدى الفرد”. 

كما يمكن اعتبار الإدراك هو عملية نفسية وعقلية في الوقت ذاته، مرتبطة بنشوء حافز يمكن أن يؤثر على الجانب النفسي كما يترك أثرا على العقل لدى الفرد لأن الإدراك ينشأ من رؤية الفرد و تصوره لهذا الحافز، وعلى أساسه تكون الاستجابة أو ردة الفعل أي السلوك الذي ينتهجه الفرد.

يمكن القول أن دراسة البيئة النفسية  لصانع القرار أثناء تقديره للموقف السياسي والأمني خلال الأزمات، أمر مهم، لأن صناع القرار ينتمون إلى بيئة اجتماعية، عقدية ونفسية، قد يكون لها أكبر في تحديد طبيعة تعاملهم مع المواقف وتقديرها. لكن لا يمكن إلغاء عدة عوامل أخرى تؤثر في عملية صنع هذا القرار كالفواعل المؤثرة في الحياة العامة والظروف الاقتصادية والاجتماعية ناهيك عن البيئة الإقليمية والدولية التي كثيرا ما يكون لها يد في تحريك الاستقرار الداخلي.

في تقدير الموقف السياسي الداخلي.. المفهوم والآليات

ظهر مفهوم تقدير الموقف في بداية الأمر في المجال العسكري، إلى أن أصبح مجالا مرتبطا بالإدارة والتسيير وتتداخل فيه عدة أبعاد سياسية واجتماعية وأمنية ونفسية وثقافية؛ وبهذا فهو عملية مهمة يحتاج إليها الساسة ورجال الأمن والإدارة والمال والقائمون على شؤون تسيير الدولة على العموم في أوقات الانتخابات والاحتجاجات والأزمات بمختلف أشكالها.

ويعد تقدير الموقف اليوم مادة علمية تدرس في بعض المعاهد المتخصصة، فهو موضوع يشمل التفكير والتدبير ويبدأ بكتابة دراسات ومقالات تنطوي على ألوان من التنبؤ بالمستقبل وينتهى عند إطلاق تصريحات في اتجاه عموم الناس أو الجمهور، مروراً بامتلاك القدرة على التحاور والتخاطب الفعال.

مفهوم تقدير الموقف:

يمكن تعريف “تقدير الموقف” السياسي بأنه عملية تحليلية مركبة لمجموعة من الظروف والتفاعلات والعناصر المؤثرة في معضلة سياسية معينة، مع نقد البيئة المحيطة بصورة شاملة ومتعددة الأبعاد، فدراسة الموقف السياسي هو معرفة الواقع واستشراف المستقبل من خلال عرض أبرز الاحتمالات والتوصيات والسيناريوهات بهدف بناء موقف سياسي أو اتخاذ القرار المناسب تجاه قضية سياسية معينة.

ويعرفها آخرون بأنها عملية مركبة تقوم على جمع وتحليل وربط بيانات تم جمعها بعناية، وفق طريقة علمية، لتتشكل في صياغات متعددة الأبعاد تسهم في اتخاذ القرار السليم حيال قضية أو مشكلة أو موقف يعترض القيادة السياسية والأمنية.

وعليه، فإن تقدير الموقف هو التحليل الذي يجري على القضايا الحساسة وشديدة الأهمية التي تمس الأمن الوطني، حيث أنه تقدير نصي يرتكز على معلومات موثوقة ومحللة، كتحديد القضية المطروحة وتشخيص التحديات والمشكلات والسيناريوهات، وتحديد الخيارات ذات الاولوية ومن ثم المقترحات، وترفع في الوقت المناسب إلى الجهة المعنية لاتخاذ القرار المناسب، خاصة وان تقدير الموقف يركز على تحليل مسار التطورات والمتغيرات السياسية التي تتطلب بلورة سياسات عاجلة ويقوم على بناء رأي حول موضوع معين ينتهي إلى خلاصات محددة يبنى على ضوئها موقف أو مواقف سياسية.

يتناول تقدير الموقف مواضيع متعددة مرتبطة بقضايا تمس الأمن لاستراتيجي السياسي والأمني، حيث يعرض على أعلى سلطة سياسية وأمنية في البلد (قد يكون المجلس الأعلى للأمن مثلا)، حيث تعرض الحيثيات والسيناريوهات والإجراءات الاستعجالية المتخذة وما يمكن اقتراحه للتصدي لأي تهديد.

وترتبط مهارة تقدير الموقف السياسي بضرورة وجود خيال علمي وتفكير إبداعي وحدس سليم، تضاف إليها الخبرات المتراكمة والالتزام بالمنهج العلمي العقلاني في التدبير والتسيير، وكذا امتلاك مهارات التحليل السياسي الرصين الذي يمكن صاحب القرار من التعرف على عناصر القوة والفرص المتاحة والمخاطر والتحديات، والفهم الصحيح للأحداث السياسية، وتوفير فهم أفضل لطريقة تشكل القوى السياسية وأوزانها النسبية.

إن أبعاد تقدير الموقف السياسي تتطلب تحديد الفرص والتحديدات والمصالح المرتبطة بالجغرافيا والاقتصاد والسياسة والقدرات العسكرية، وتبدأ العملية دائما بعدة مراحل أولها تحديد الإشكالية واطرافها وعوامل القوة والضعف لكل الأطراف، أما المرحلة الثانية فهي جمع المعلومات ثم بناء الرؤية السليمة وترجيح السيناريوهات، فيما تشمل المرحلة الأخيرة استشراف المستقبل.

وتعد المعلومات من أهم عناصر تقدير الموقف السياسي الجيد، إذ أنه كلما تنوعت المعلومات لدى المحلل السياسي كلما كانت تحليلاته مقنعة، وهنا تبرز أهمية التأكد من مصداقية المعلومات وقوة الأسباب والأدلة خلال عملية تقدير الموقف السياسي.

ويحتل تقدير الموقف السياسي والأمني المرتبة الثالثة من بين مراحل العمل التي تأخذ بها القيادة في تسيير أعمالها اليومية، حيث يأتي موقع تقدير الموقف ضمن المراحل التالية:

  • المرحلة الأولى: تحديد الموضوع ووضع التصورات
  • المرحلة الثانية: تحليل الواقع العملي الذي يستند على تحليل معلوماتي من خلال دراسة الجزئيات وربطها ببعض؛
  • المرحلة الثالثة: تقدير الموقف؛
  • المرحلة الرابعة: وضع خطة أو اصدار قرار.
  1. شروط تقدير الموقف السياسي الجيد:

هناك عدة شروط يجب أن تكون متوفرة للحصول على تقدير موقف سليم، ونتائجه مضمونة إلى حد بعيد، وهذه الشروط هي:

  • جمع المعلومات الكافية: فلا يمكن تقدير الموقف من دون الإلمام بجميع المعلومات المرتبطة بالقضية أو المشكلة التي يُنظر فيها. والمعلومات تكون مكتبية، تجود بها الكتب، وميدانية تجمع بطريقة امبريقية Empirique. ويجب أن يبذل أقصى جهد ممكن في سبيل استكمال المعلومات، وألا يتم التعجل في هذا الإجراء، فالمعلومات الناقصة نقيصة، ولن يكون بمقدورها أن توجد الحالة الملائمة لاتخاذ القرار الصائب.
  • العقلانية: وتعنى هنا اتباع المنهج العلمي في التفكير ابتداء، ثم تحديد التصورات بما يتناسب مع الإمكانات المتوافرة لدى مقدري الموقف، وما يتماشى مع الواقع، الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنه في حال من التغير المستمر، وأن ما نقدره الآن قد يطرأ عليه تغير غداً.
  • الاستمرار: فتغير الواقع يفرض ضرورة الاستمرار في تقدير الموقف، وبذا لا تصلح التقديرات القديمة في فهم وضع جديد، ولذا فإن القائمين على هذه العملية يضعون في مخططهم دوماً خانات فارغة يخطون فيها كل مستجد، ويعيدون التقييم بناء علي؛
  • الإلمام بالبيئة المحيطة: فعملية تقدير الموقف لا يجب أن تتم بمعزل عما يجرى في المجتمع من وقائع وأحداث يقوم بها الأفراد في تفاعلاتهم مع التنظيمات والمؤسسات والأفكار السائدة، والمصالح والمنافع المادية، وكذلك ما يتعلق بالهيبة والكرامة وتقدير الذات.
  • المرونة: تقدير الموقف ليست عملية جامدة، تتم وفق تصورات ثابتة، بل يمكن لكل فرد أو مؤسسة تقوم بها أن تدخل عليها التعديلات الضرورية بما يتماشى والتطورات الحاصلة،
  • التفكير الإبداعي: كل الخطوات والشروط المذكورة آنفا تبقى ناقصة إن تمت عملية تقدير الموقف بشكل ميكانيكى، معتمدة على تحليل الأرقام، أو استعراض المعلومات الغزيرة التي تم جمعها من مصادر شتى، فالأهم هو ضرورة إعطاء مكان للتفكير الإبداعي والأفكار الجديدة الخلاقة.
  1. اكراهات عملية تقدير الموقف:

إن تقدير الموقف السياسي أو الأمني يشكل عامل ضغط وعبء وظيفي ونفسي كبير على القائمين به بسبب الطبيعة المعقدة للمجتمعات الحديثة، حيث تتزاحم الاضداد وتتشابك وتقاطع المصالح وتتغير الظروف والمناخ والمزاج السياسي بشكل مستمر، ناهيك عن تطور استراتيجيات مراكز التأثير الداخلية والخارجية وتنوع أساليب عملها، خاصة مع وجود وسائل التواصل المفتوح، وهي كلها اكراهات تحد من فعالية تقدير الموقف. يمكن أن نوجز أهم هذه الاكراهات في النقاط التالية:

  • عامل الوقت؛
  • تأثير العامل السياسي؛
  • ضعف كفاءة اداء العاملين في مراكز القرار؛
  • عدم وجود مستشارين في المستوى؛
  • تنعت القيادة؛
  • حصول تغيير في الموقف السياسي الداخلي، الاقليمي أو الدولي؛
  • انخداع مراكز القرار بالأعمال التضليلية للجهات المعادية؛
  • ضعف الامكانيات المادية؛
  • وجود أكثر من مركز لتقدير الموقف مع غياب رؤية واحدة وتنسيق بينها؛
  • وجود مندسين (عملاء، جواسيس، ثغرة أمنية…) يقومون بالتعاون مع الجهات المعادية من خلال تسريب بعض مفردات تقدير الموقف.

يستفاد من هذه الاكراهات بأن تقدير الموقف تتداخل فيه مجموعة من العوامل بعضها مهني وبعضها شخصي، فالمهني ما كان يخص الوظيفة أو المنصب وأما الشخصي فهو ما كان مرتبطا بالمهارات والمستوى الثقافي والعلمي والقدرة على تحسس الخطر ومعرفة مصادره. لقد حدد بعض المختصين في التسيير جملة من العناصر غير مقبول حصولها خلال عملية تقدير الموقف، يمكن حصرها في النقاط التالية:

  • أن يكون تقدير الموقف مبني على تصورات شخصية وليست موضوعية حيث تظهر روح “المقامرة” والعداء الشخصي أو اللامبالاة؛
  • المبالغة في تقدير قوة أو امكانيات الخصم أو الاستهانة به؛
  • المبالغة في تقدير القدرة الذاتية؛
  • التسرع في الظروف العادية واتخاذ قرارات غير مدروسة؛
  • أن تكون القرارات بخلفيات ضيقة (نزعة قومية أو طائفية أو أيديولوجية أو مصلحية).
  • أن يكون التقدير مستنسخ من تجربة سابقة.
  1. آليات تقييم تقارير تقدير الموقف:

يتم تقييم تقارير تقدير الموقف وفق آليات محددة مسبقا، وفي توقيتات مدروسة، مرتبطة أساسا بطبيعة المواضيع وأولويتها. فإذا كان تقدير الموقف نتاج عمل هيئات بحث تابعة لمؤسسات الدولة السيادية، فإنه من الضروري بمكان إخضاع عمل هذه الهيئات لتقييم دوري الغرض منه تصويب الرؤى وتوجيهها، وضمان التنسيق المطلوب في القضايا المحورية المرتبطة بالأمن القومي.

تظهر أهمية التقييم عندما ترتبط التقارير الحساسة لمختلف مراكز القرار في البلد ببلورة السياسات في المجالات الحساسة كالدفاع والأمن بمفهومه الشامل، والعلاقات الخارجية الاستراتيجية، وادارة المخاطر الأمنية، التخريب والتجسس وإثارة الفوضى. وهكذا يتم خلق صورة استخبارية متكاملة، فالتكامل هو بحث بحد ذاته.

    يشمل تقييم عمل المؤسسات التي تعنى بمتابعة الموقف السياسي والأمني الداخلي عدة عناصر أساسية، وهي:

  • الوضع الحالي؛
  • تقديرات مختلف المؤسسات ومدى تناسقها وصدقيتها؛
  • استشراف القضايا ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية التي يمكنها تهديد الأمن القومي.
  • تحليل آليات التقدير المختلفة ومحاولة دمج التقارير المختلفة في تقرير شامل تتكامل فيه مجالات البحث المختلفة (سياسي، عسكري، اجتماعي، اقتصادي، تكنولوجي، سيكولوجي…).
  • من الممكن الاشارة الى ثلاثة اختبارات من اجل تفحص جودة التقييم الاستخباري:
  • الاختبار المهني: على التقييم ان يتمسك بالمعايير البحثية من صحة المعلومات، تقاطع المعلومات، تحليل الظروف، التوضيح وغير ذلك. ويجب ان تكون خالية من اعتبار أي خارجي.
  • اختبار الوقائع:التأكد بأن التقييم كان ملائما للوقائع، ومبررا من حيث توقيت عرضه؛
  • اختبار إمكانية التطبيق:التأكد من صلاحية التقييمات وامكانية استخدامها من قبل صانعي القرارات.

استنتاجات وتوصيات

بناء على ما سبق، فإنه يمكن القول أن عملية تقدير الموقف السياسي ترتبط بشكل وثيق مع عملية طبيعة النظام السياسي وبنيته المؤسساتية، فقدرة مراكز التقدير والتقييم على تقديم تحليل سليم وتشخيص سياسي سوي مرتبط أساسا بالتعرف على عناصر القوة والفرص المتاحة والمخاطر والتحديات، والفهم الصحيح للأحداث السياسية، وفهم أفضل لطريقة تشكل القوى السياسية الاجتماعية، فمن لا يملك مهارات التحليل لا يستطيع تقدير الموقف السياسي.

وقد خلصنا من خلال ما سبق إلى وجود صعوبات في اعداد تقدير الموقف نظرا لوجود اختلاف في التحليل الموقفي للأزمات والأحداث، وعدم دقة التقديرات السياسية المؤثرة على الواقع، إضافة إلى مشكلة الصلاحيات وعدم القدرة على الاطلاع على بعض المعلومات.

Scroll to Top